الشيخ الطبرسي
28
تفسير مجمع البيان
بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله ! فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : أما ترى إلى ما يستقبلني به علي ؟ فقال : ادعوا لي عليا ، فدعي له ، فقال : ما حملك على ما استقبلت به عمك ؟ فقال يا رسول الله ! صدمته بالحق ، فمن شاء فليغضب ، ومن شاء فليرض ! فنزل جبرائيل عليه السلام ، فقال : يا محمد ! إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول أتل عليهم : ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآيات . فقال العباس : إنا قد رضينا ثلاث مرات . وفي تفسير أبي حمزة أن العباس لما أسر يوم بدر ، أقبل عليه أناس من المهاجرين والأنصار ، فعيروه بالكفر ، وقطيعة الرحم ، فقال : ما لكم تذكرون مساوءنا ، وتكتمون محاسننا ؟ قالوا : وهل لكم من محاسن ؟ قال : نعم والله لنعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاج ، ونفك العاني ( 1 ) . فأنزل الله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا ) إلى آخر الآيات . المعنى : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ) هذا استفهام معناه الانكار أي : لا تجعلوا ، وفيه حذف يدل الكلام عليه ، وتقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج ، وأهل عمارة المسجد الحرام ، كمن آمن بالله ، حتى يكون مقابلة الشخص ، أو يكون تقديره : أجعلتم السقاية والعمارة كإيمان من آمن بالله . حتى تكون مقابلة الفعل بالفعل . وسقاية الحاج : سقيهم الشراب . قال الحسن : وكان نبيذ زبيب يسقون الحاج في الموسم ، بين الله سبحانه أنه لا يقابل هذه الأشياء بالإيمان بالله ( واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ) وبالجهاد في سبيله ، فإنه لا مساواة بين الأمرين ( لا يستوون عند الله ) في الفضل والثواب . ( والله لا يهدي ) إلى طريق ثوابه ( القوم الظالمين ) كما يهدي إليه من كان عارفا به ، فاعلا لطاعته ، مجتنبا لمعصيته . ثم ابتدأ سبحانه فقال ( الذين آمنوا ) أي : صدقوا ، واعترفوا بوحدانية الله ، ( وهاجروا ) أوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الاسلام ، ( وجاهدوا في سبيل الله ) أي : تحملوا المشاق في ملاقاة أعداء الدين ، ( بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء ، ( وأولئك هم الفائزون )
--> ( 1 ) العاني : الأسير ، وكل من ذل ، واستكان ، وخضع .